ابن كثير
6
البداية والنهاية
سبحانه ، ومات رحمه الله ، وأكرم مثواه ، وجعل جنات الفردوس مأواه ، وكان له من العمر سبع وخمسون سنه ، لأنه ولد بتكريت في شهور سنة ، سنه ثنتين وثلاثين وخمسمائة ، رحمه الله ، فقد كان ردءا للاسلام وحرزا وكهفا من كيد الكفرة اللئام ، وذلك بتوفيق الله له ، وكان أهل دمشق لم يصابوا بمثل مصابه ، وود كل منهم لو فداه بأولاده وأحبائه وأصحابه ، وقد غلقت الأسواق واحتفظ على الحواصل ، ثم أخذوا في تجهيزه ، وحضر جميع أولاده وأهله ، وكان الذي تولى غسله خطيب البلد الفقيه الدولعي ( 1 ) ، وكان الذي أحضر الكفن ومؤنة التجهيز القاضي الفاضل من صلب ماله الحلال ، هذا وأولاده الكبار والصغار يتباكون وينادون ، وأخذ الناس في العويل والانتحاب والدعاء له والابتهال ، ثم أبرز جسمه في نعشه في تابوت بعد صلاة الظهر ، وأم الناس عليه القاضي ابن الزكي ثم دفن في داره بالقلعة المنصورة ، ثم شرع ابنه في بناء تربة له ومدرسة للشافعية بالقرب من مسجد القدم ، لوصيته بذلك قديما ، فلم يكمل بناؤها ، وذلك حين قدم ولده العزيز وكان محاصرا لأخيه الأفضل كما سيأتي بيانه ، في سنة تسعين وخمسمائة ، ثم اشترى له الأفضل دارا شمالي الكلاسة في وزان ما زاده القاضي الفاضل في الكلاسة ، فجعلها تربة ، هطلت سحائب الرحمة عليها ، ووصلت ألطاف الرأفة إليها . وكان نقله إليها في يوم عاشوراء سنة اثنتين وتسعين ، وصلى عليه تحت النسر قاضي القضاة محمد بن علي القرابي ابن الزكي ، عن إذن الأفضل ، ودخل في لحده ولده الأفضل فدفنه بنفسه ، وهو يومئذ سلطان الشام ، ويقال إنه دفن معه سيفه الذي كان يحضر به الجهاد ، وذلك عن أمر القاضي الفاضل ، وتفاءلوا بأنه يكون معه يوم القيامة يتوكأ عليه ، حتى يدخل الجنة إن شاء الله . ثم عمل عزاؤه بالجامع الأموي ثلاثة أيام ، يحضره الخاص والعام ، والرعية والحكام ، وقد عمل الشعراء فيه مراثي كثيرة من أحسنها ما عمله العماد الكاتب في آخر كتابه البرق السامي ، وهي مائتا بيت واثنان ، وقد سردها الشيخ شهاب الدين أبو شامة في الروضتين ، منها قوله : شمل الهدى والملك عم شتاته * والدهر ساء وأقلعت حسناته أين الذي مذ لم يزل مخشية * مرجوة رهباته وهباته ؟ أين الذي كانت له طاعاتنا * مبذولة ولربه طاعاته ؟ بالله أين الناصر الملك الذي * لله خالصة صفت نياته ؟ أين الذي ما زال سلطانا لنا * يرجى نداه وتتقى سطواته ؟ أين الذي شرف الزمان بفضله * وسمت على الفضلاء تشريفاته ؟ أين الذي عنت الفرنج لبأسه * ذلا ، ومنها أدركت ثاراته ؟ أغلال أعناق العدا أسيافه * أطواق أجياد الورى مناته
--> ( 1 ) الدولعي هو ضياء الدين أبو القاسم عبد الملك بن زيد بن ياسين بن زيد بن قائد بن جميل الأرقمي الدولعي الشافعي ، خطيب دمشق توفي في ربيع الأول سنة 598 ه وله إحدى وتسعين سنة .